أبو حامد الغزالي
79
تهافت الفلاسفة
فهذا أخبل أدلتهم ، وبالجملة كلامهم في سائر مسائل الإلهيات أركّ من كلامهم في هذه المسألة ، إذ يقدرون هاهنا على فنون من التخييل لا يتمكنون منها في غيرها ، فلذلك قدمنا هذه المسألة ، وقدمنا أقوى أدلتهم . * * *
--> الأولى : لزوم صدور العالم بالإيجاب عن اللّه تعالى . والثانية : لزوم استمرار بقاء عالم الأفلاك على الوضع الذي هو عليه الآن ، وهو يتنافى مع الآيات القرآنية المشار إليها آنفا ، ولكثير سواها . فإذا ارتضى الفلاسفة تصوير العالم بالصورة التي أشرت إليها آنفا ، فإنهم يخلصون من الصعوبة الثانية ، وتبقى فقط الصعوبة الأولى ، وعند ذلك يشركهم في موقفهم غيرهم من أمثال ابن تيمية الذاهب إلى قدم العالم . أما إذا رفضوا هذا التصوير فعليهم أمران : أولا : أن يقدموا دليلا منتجا لقدم عالم الأفلاك بالتفصيل . ثانيا : أن يحددوا موقفهم من الآيات القرآنية التي تتنافى مع هذا التصوير . أما بالنسبة للأمر الأول ، فكل مالهم بإزائه . - بمقتضى اطلاعى طبعا - إنما هو تصوير لكيفية صدور العقل الأول عن اللّه ، ثم صدور العقل الثاني والنفس الأولى وجسم الفلك الأول ، عن العقل الأول ، وهكذا إلى آخر السلسلة ، وهذا أشبه بالقصة منه بالاستدلال العقلي ، فلا يزال ينقصهم الاستدلال العقلي على قدم كل حلقة من هذه السلسلة . وأما بالنسبة للأمر الثاني ، فقد بذل ابن سينا بخصوصه محاولة بسطها في كتابه « رسالة أضحوية في أمر المعاد » الذي نشرته لأول مرة دار الفكر العربي ، بتحقيقنا فليرجع إليه من شاء . * * * هذا والذي يخلص من دليل الفلاسفة - الذي رواه الغزالي هنا على لسانهم - لإبطال حدوث العالم ، أن حدوث العالم - في نظر الفلاسفة - محال . كما أن الذي يخلص من قول الغزالي - فيما يأتي بعد قليل - من أن : « قدم العالم يؤدى إلى إثبات دورات للفلك لا نهاية لإعدادها ، ولا حصر لآحادها ، مع أن لها سدسا ، وربعا ، ونصفا ، . . . إلخ » ومما رواه ابن سينا - في الإشارات قسم ثالث ، ط عيسى الحلبي ، ص 123 ، 4 - عن المتكلمين من قولهم : « أن الواجب لم يزل ولا وجود لشئ عنه ، ثم ابتدأ وأراد وجود شئ عنه . ولولا هذا لكانت أحوال متجددة من أصناف شتى في الماضي لا نهاية لها موجودة بالفعل ؛ لأن كل واحد منها وجد ، فالكل وجد ، فيكون لما لا نهاية له من أمورر متعاقبة كلية منحصرة في الوجود . وكيف يمكن أن تكون حال من هذه الأحوال توصف بأنها لا تكون إلا بعد ما لا نهاية له ، فتكون موقوفة على ما لا نهاية له ، فينقطع أليها ما لا نهاية له . ثم كل وقت يتجدد يزداد عدد تلك الأحوال ، وكيف يزداد ما لا نهاية له » . الذي يخلص من كل ذلك أن قدم العالم - في نظر المتكلمين - محال .